أخر الاخبار

دور لا يليق بابنة زعيم ! ـ
د. حازم حسني
-----------------------------
كانت الدكتورة هدى عبد الناصر قد تداخلت مع الإعلامية لميس الحديدى منذ أيام لتنفى عن عبد الناصر أنه كان يتحدث بالمجاز عن مصرية تيران، حين تحدث عنها فى مؤتمره الصحفى العالمى قبيل حرب 1967، وهو ما كان قد ادعاه المتحدث الرسمي للخارجية المصرية ضمن حملة تجريد الجزيرتين من جنسيتهما، وأكدت سيادتها وقتها – بكل ثقة - أنهابعد أن درست كل خطب والدها فإنه يمكنها التأكيد على أنه لم يكن يوماً متحدثاً بلغة المجاز! ـ
فجأة خرجت علينا الدكتورة هدى عبد الناصر مساء أمس، على نفس الفضائية وفي نفس البرنامج، لتستخف بعقولنا بروايتها المتهافتة عن أنها - وبالصدفة المحضة - عثرت فى أوراق والدها على وثيقة تثبت سعودية تيران وصنافير ! ... تقلبات صارت – على ما يبدو - من ملامح المرحلة بعد ما سبق أن رأيناه من تراجع اللواء عبد المنعم سعيد – رئيس غرفة العمليات الأسبق – عن شهادته بشأن مصرية الجزيرتين، وبشأن سيادة مصر عليهما ! ـ
الصدفة لم تكن فقط في ظهور الوثيقة بين أوراق عبد الناصر بعد مرور 46 عاماً على رحيل عبد الناصر لم تلحظ خلالها الدكتورة هدى هذه الوثيقة "الخلبوصة" التي ظلت مختفية طوال هذه المدة لتفاجئنا بوجودها بين الأوراق، وكأنها تقول لنا وبراءة الأطفال في عينيها: "بخ، أنا هنا" ! ... الصدفة لم تكن فقط في هذا الظهور المفاجئ للوثيقة، وإنما – ويا لكم المصادفات – في ظهورها قبل ساعات من يوم تخشى أجهزة الدولة أن تندلع فيه مظاهرات احتجاجية بخصوص الجزيرتين ! ... بمنطق الأفلام الهزلية، قالت لنا الوثيقة وهى تضحك ملء شدقيها: "إنتم اتخضيتم، مش كده؟ والله العظيم انتم اتخضيتم" ! ـ
رغم هذا الإخراج المغرق في "السبكية"، وهو لا يختلف عن إخراج مشهد ظهور متعلقات "جوليو ريجينى"، وكأننا قد تعاقدنا مع "بوليوود" لإدارة حياتنا العامة، فإن الوثيقة المزعومة لا يوجد بها ما يخص عبد الناصر كما حاول الإعلام الموجه الإيحاء بذلك، وكأنها تحمل اعترافاً من الزعيم بسعودية الجزيرتين! وإنما هي مذكرة مرفوعة من إدارة فلسطين بالخارجية المصرية لرئاسة الجمهورية يوم 20 مايو 1967، أي قبل إغلاق عبد الناصر لمضيق تيران، ومن ثم قبل أن يخرج في مؤتمره الصحفى العالمى الذى تحدث فيه بحزمه المعتاد عن مصرية تيران بكلمات سبق للدكتورة هدى عبد الناصر أن نفت عنها مجازيتها ! ـ
المريب في الأمر هو أن الوثيقة لا تحمل رأى عبد الناصر، ولا حتى أى تأشيرة منه على أي نص فيها، والأكثر إثارة للريبة هو أن الوثيقة لم تأت بجديد لم نكن نعرفه، فما هو مسجل فيها لا يختلف عما ورد في برقية السفير الأمريكي لحكومته بشأن احتلال مصر للجزيرتين ! ... فما الذى دفع الدكتورة هدى عبد الناصر إذن للمسارعة بإظهارها، وللحديث عنها إعلامياً وكأنها وثيقة جاء بها الحق وزهق الباطل، أو كأنها وثيقة أتت بجديد "يثبت" – على غير حقيقة الوثيقة – سعودية الجزيرتين؟
الأرجح لدى أي صاحب عقل راجح، به ولو بعض الرشد والقدرة على ربط السياقات، هو أن الوثيقة المزعومة لم تعثر عليها الدكتورة هدى عبد الناصر مصادفة كما تدعى، وإنما هي سُلِّمت لها من جهة "سيادية" لتعلنها هي في هذا التوقيت، مشفوعة ببعض "البهارات" التي تعطى للوثيقة زخماً إعلامياً لم يكن ليتحقق لو أن الخارجية المصرية – مثلاً – هي التي أعلنت عن الوثيقة، وهو ما حدث بالفعل ... إذ تلقف موقع "العربية" - السعودى - تصريحات ابنة الزعيم جمال عبد الناصر، وأبرزها باعتبارها "تراجعاً" منها عن موقفها السابق القائل بمصرية الجزيرتين، فضلاً عن جرعة "البهارات" التي وصفت بها الدكتورة هدى عبد الناصر المتمسكين بمصرية الجزيرتين بأنهم مزايدون يثيرون "نعرة وطنية مزيفة" (هكذا؟) ! ـ
هل هذا هو الدور الذى قبلت هدى عبد الناصر أن تقوم به لحساب "الجهة السيادية" التي سربت لها الوثيقة؟ ألا إنه من الأدوار التي لم تكن تليق بها، ولا هو دور يليق بالاسم الكبير الذى تحمله بعد أن أوحت بمداخلتها أن الأمر يتعلق بأوراق عبد الناصر الذى استنطقته وهو في قبره اعترافاً بسعودية الجزيرتين على خلاف حقيقة الوثيقة، وعلى خلاف ما تنص عليه، وعلى خلاف ما مات عبد الناصر وهو متمسك به ! ... أما تهافت قراءة الدكتورة هدى عبد الناصر للوثيقة، وخلطها بين موضوع ونص الوثيقة وبين تصوراتها الساذجة عن "الوطنية المزيفة" وعن "العروبة" التي تجعل من مصر حارساً تحت الطلب لأملاك الآخرين، فله حديث آخر بعد أن نقرأ مقالها المزمع نشره بالأهرام غداً ! ـ 
يبقى القول بأن الدكتورة هدى عبد الناصر تحدثت بتلقائية شديدة في نهاية مداخلتها عن أن الوثيقة – المصنفة "سرى للغاية" – موجودة بوزارة الخارجية و"الحمد لله"، متجاهلة تماماً ما سبق أن أكدته في بداية المداخلة من أنها كانت ضمن أوراق الرئيس جمال عبد الناصر، رحمه الله وغفر له، ورحمنا وغفر لنا جميعاً، وأحسن ختامنا ولم يفجعنا فى أبنائنا ! ـ
====================================
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -