أخر الاخبار

غياب البركة: ما الذي تغير في حياة المصريين؟

 البركة والقناعة والرضا مفاهيم طالما ارتبطت بوجدان وثقافة المصريين، وأصبحت جزءًا من تكوينهم النفسي والقيمي. فإن سألت مواطنا مصريا عما لديه حتى وقت قريب سيجيبك إجابة تحيل إلى البركة؛ فليس المهم الكثرة، ولكن المهم أن يكون في القليل الموجود بركة!

 بمرور الوقت، فقد المصريون الكم والكيف. فلم يعد هناك وفرة من أي شيء تقريبا مهما كان رخيصا. وحتى القليل الذي بالكاد يمكن للمواطن أن يجده لم يعد كافيا. ففقدت الحياةُ بركتها، وتقلَّصت البدائل إلى حدها الأدنى.

"نماذج عملية"

1- الدعم التمويني الشهري 
مع اتخاذ الحكومة إجراءات تنقية البطاقات التموينية من غير المستحقين، نسيت تقريبا، أنها تربط أسعار المنتجات على بطاقة التموين للمستحقين بحصة مالية ثابتة لكل فرد، فسعر المنتج يزداد طبقا لتغيرات السوق، ولكن الخمسين جنيها لكل فرد لازالت كما هي، بل تفقد قيمتها، مما أدى إلى تآكل السلة الغذائية الضرورية للمستحقين. فبات يمكن بالكاد لنصيب الفرد الواحد أن يشتري عبوة سمن فقط أو كيسين من الأرز، بعد أن كان بإمكانه الاختيار من مجموعة متنوعة من المنتجات.

 2- وداعًا للقيم المعيارية الصلبة 
مع فقد الجنيه المتوالي لقيمته، فقدت القيم المكافئة التي يشتريها الجنيه تماسكها. فلم تعد هناك عبوة سمن وزن كيلو، وإنما عبوة وزن 700 جرام وصل سعرها في آخر التحديثات بالنسبة لأكثر الأنواع شيوعا حوالي 50 جنيها. ونفس الأمر في زيت الطعام ومساحيق التنظيف. فكثيرًا ما تلجأ الشركات لهذا الأسلوب بدلا من زيادة التسعيرة بشكل مباشر مما يفقد المنتج قيمته وبركته.

3- ضريبة القيمة المضافة
هي تلك الضريبة التي استحدثتها الحكومة عام 2016 لزيادة إيراداتها، لتقوم الشركات بتحصيلها من المواطن لصالح الحكومة، وبفضل تلك الضريبة إلى جانب إجراءات أخرى فقد الجنيه قيمته، فلكي تحصل على خدمة  في القطاعات التي تطبق القيمة المضافة فإنك تدفع 14% زيادة على كل عملية شراء، بينما في قطاع الاتصالات مثلا تدفع أكثر من 11 جنيهاً مقدما لتحصل على نحو 7 جنيهات رصيد.
 
4- ربط الخدمات بتاريخ صلاحية 
قديما، كانت الحكومة تقول إنّه من الضروري أن يكون لبعض الخدمات الحكومية مثل الفيش الجنائي أو القيد العائلي تاريخ صلاحية 3 شهور، لأن تلك الفترة قد تشهد تغيراً يؤثر على سريان المعاملة. ولكن الملاحظ، أن كثيراً من الخدمات صار لها فترة صلاحية وجيزة، فإذا تجاوزها المواطن وجب عليه أن يدفع من جديد، ومنها تذكرة المترو التي لها حد زمني ساعتان، فبمجرد مرورهما لن تعمل التذكرة أثناء المرور من الماكينة.
 
5- الدفع مقدمًا
كانت صيغة “الدفع المقدم” مفهومة في الخدمات الأقل تأثيراً في حياة المواطن مثل الاتصالات. فالشحنُ مدفوع مقدما حتى تحصل على خدمة. ولكن الدولة نقلت ذلك المفهوم إلى خدمات أكثر أهمية، مثل فواتير الاشتراكات الشهرية كالكهرباء والغاز والمياه، وتوسعت الحكومة في تركيب العدادات مسبقة الدفع، أو بمعنى آخر: إذا لم يكن لديك مال تدفعه للشحن مقدما لأي سبب، فسترزح وعائلتك في الظلام لحين الدفع!
وقد وصلت أعداد العدادات مسبقة الدفع التي بدأ تعميمها منذ عام 2014 في مجال الكهرباء إلى حوالي 15 مليون عداد، ومن المقرر وصولها إلى كل البيوت بحلول 2027. 
 
6- تقييد الاستخدام 
حتى عقد مضى تقريبًا، كان المستخدم المصري يتمتع بخدمة إنترنت تكفيه شهرًا كاملًا مقابل قيمة الاشتراك، بل ويمكنه تقاسم استخدامه الشهري المفتوح مع جيرانه في شكل من أشكال التكافل الاجتماعي في سلعة لم تعد ترفيهية مثل الإنترنت.
ولكن الحكومة لم يرق لها ذلك الوضع، وارتأت أن الأنسب للمستخدم المصري هو ما تسميه بالاستخدام  العادل “المقنون”، فصار الاشتراك الشهري الدارج هو سعة 140 جيجا بايت، وهو لا يكفي أفراد الأسرة، وبالتالي يحتاج المستخدم للشحن أكثر من مرة في الشهر الواحد.
 
7- تقلص البدائل
كان المواطن يشتري الدجاج والأسماك المحلية كحلٍّ مؤقت لارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، ولكن الحادث حاليا أنه بعد وصول اللحوم البلدية الحمراء إلى نحو 300 جنيه للكيلو، والتي لا تخلو من “نسبة دهون”، فإن أسعار الدجاج كسرت حاجز 80 جنيها، وأسعار أقل أنواع الأسماك وأكثرها شيوعا كسرت حاجز 50 جنيها، فهوى سقف طموح البديل من الدجاج إلى الهياكل التي يبيعها بعض التجار بخمسين جنيها للكيلو، مع وصول البيضة الواحدة إلى 4 جنيهات تقريبا.

ما سبق، هو مجرد عينة من تكتيكات وآثار سياسة الحكومة في إفقار المواطن، من تخفيض متوال لقيمة العملة المحلية، وارتفاع للتضخم، وتفنن في استحداث الضرائب، ورفع لرسوم الخدمات الحكومية، وإلغاء للدعم، بما يحدث دويا مباشرة، بشكل سريع ومتتال، في حياة المواطنين. 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -