recent
أخبار ساخنة

التراث هو الحضارة يا وزير الاثار

لقد ساءني جداً تصريح السيد وزير الأثار في صحيفة المصري اليوم امس “لو هنسجل كل مبنى عمره ١٠٠ عام كأثر هنسجل نصف بيوت البلد” واريد ان اوضح بعض النقاط المهمة:

أ. أن تراث مصر ليس فقط في الأثار المصرية القديمة وان كان ذلك ما حاولت القوات الاستعمارية الغربية تصديره لنا كفلسفة ما بعد الاستعمار واننا نحن احفاد هؤلاء من سكنوا مصر منذ ٥٠٠٠ عام لا نمت لهم بصلة، فلذلك تم الاصرار على قيام وزارة\مجلس اعلى للآثار وليست وزارة\مجلس اعلى للتراث، لأن التراث هو قيمة الماضي في الحاضر وصلتنا الشخصية والمجتمعية بمن جائوا قبلنا وان الاصرار على مفهوم الأثر فقط هو فكر المستكشفين الأوائل لمصر والبلاد العربية لكي يقدر ان يأخد ذلك الأثر وينسبه له وللحضارة الاوروبية  من خارج السياق التاريخي والتراثي له في عملية تسمى بالcultural appropriation، وليس فقط الأوروبيون من قاموا بذلك فقام بعض الثقافات العربية والافريقية بنفس الفعل من محاولة نسب مصر القديمة لهم، ان فكر ان ذلك هو اثر يجب تسجيله وان كل ماهو خارج هذا الاثر لسنا معنيين به هو فكر عقيم جداً يتعامل مع تراث مصر بنفس فكرة العهدة، وليس حتى بما جاء في اتفاقية اليونسكو في عام ١٩٧٠ وهو ان السياق التاريخي والcultural landscape والتاريخ المجتمعي هو جزء لا ينفصل عن الأثر. 

ب. ان تسجيل تراث مصر المعماري لا ينفصل عن تسجيل اثارها المصرية القديمة فكل قطعة تاريخية هي نتاج اجيال مختلفة وفصلها بالهدم او الاهمال هي جريمة لا تختلف عن ما فعله بنا المستكشفين الاوائل من سرقات لتراثنا الذي يملاء المتاحف الغربية، ويحزنني أيضاً رؤية اكتشافات حديثة تقوم بنفس هذه الافعال القديمة للتوابيت المصرية لقديمة بدون اي دراسة للسياق التاريخي ونشر علمي موثق. لقد كان يجب علينا عبور هذه المرحلة من ادارة التراث منذ اكثر من ٥٠ عام.

ج. ان فكرة انه يجب ان يسجل اي مبنى عمره ١٠٠ عام، هي فكرة قديمة جداً لإدارة التراث، ان تسجيل المباني التراثية حسب اتفاقية اليونسكو ١٩٧٢ هي لكل المباني التي لها قيمة تاريخية، فنية، علمية، او مايتفق عليه المجتمع المحيط ان له قمية مجتمعية لهم. وان تسجيل نصف بيوت البلد لهو داع لفخر لنا جميعاً كمصريين.

د. للأسف ان موقف التراث المصري حائر في مصر بين وزارة الآثار والسياحة، وهيئة التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة وجهاز شئون البيئة للتراث الطبيعي ووزارة الثقافة للتراث المعنوي، وكذلك يقسم التراث الديني بين وزارة الأوقاف والكنيسة المصرية، ذلك يهدر دم التراث بين القبائل، ويساعد في حالة الخلل في ادارة التراث في الدولة والتي يستفيد منها مافيا المقاولين بالمقام الأول في عمليات الترميم او الهدم.

واريد ان الفت الرأي العام لبعض المشاريع البسيطة العظيمة في دولة ايطاليا الشقيقة والتي قامت من خلالها بتعظيم قيمة التراث الحديث بالرغم من ان ايطاليا لها تاريخ اتروسكان وروماني وكنائس بها جواهر العمارة بالقرون الوسطى، ولكن طريقة حفاظها وادارتها للتراث هو ما جعلها في مقدمة الدول في هذا المجال:

1. متحف Centrale di Monte Martini وهو كان اول مصنع كهرباء في ايطاليا في عام ١٩١٢ يعمل بالديزل ولكن في الستينات من القرن الماضي لم تعد روما في حاجة له بسبب تعدد مصادر الطاقة بها وان اغلب المكن اصبح خارج الصيانة، لم تبيع شركة الكهرباء هذا المكن خردة ولكن فكرت بأت تحول هذا المصنع لمتحف للتاريخ الصناعي بإيطاليا وفي ١٩٩٧ قامت بعمل معرض مزيج بين التماثيل الكلاسيكية والتراث الصناعي واستمر الى الأن ويعد من اكثر المتاحف المهمة بسبب هذا المزيج الفريد، ذلك كان بسبب فهم اغلب المسئولين قيمة التراث الحديث والصناعي، وان له نفس قيمة الColosseum او الPantheon. 

2. الحفاظ على منازل محولجي القطارات Case di Cantoniere، حيث بعد تحديث القطارات الأيطالية لم يعد لهذه المباني وكان عددهم حوالي ٣٠ منزل موزعين في اماكن جغرافية كثيرة، فقامت وزارة النقل هناك بتأجير هذه المباني وعدم هدمها لمشاريع سياحية مثل المطاعم والمراكز الثقافية والفنية.

3. الحفاظ على ١١ فنار لوزارة الدفاع الايطالية، حيث لم تعد السفن بحاجة لهذه الفنارات بعد أنظمة الملاحة التي تعمل بالأقمار الصناعية فقامت بتأجير هذه الفنارات للشباب او تعاونيات من الشباب بعقود من ٦ حتى ٥٠ عاماً بأسعار زهيدة طالما سوف تقيم بها نشاط بيئي وسياحي ويشجع على السياحة.

اتمنى ان يفوق الرأي العام المصري ويعرف ان تراثه هو رأس ماله الحقيقي، وليس فقط التراث في القاهرة ولكن في جميع المحافظات والقرى والنجوع، ان تراث مصر هو افضل وسيلة للتنمية من خلال المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر وان تدميره واهماله وعدم تسجيله هو جريمة في حق الأجيال القادمة وحق دولة مصر والتراث العالمي.
google-playkhamsatmostaqltradent